زنزباع :قربة الماء التي تحولت الى قزم مرعب في قرية عربية قديمة
في قديم الزمان، في قرية تعيش على الزرع والرعي، خرجت امرأة كعادتها كل صباح ترعى أغنامها في البراري المحيطة بالقرية. وبينما كانت تسير على قارعة الطريق، وقعت عيناها على شيء غريب: قربة ماء مصنوعة من جلد الماعز، ملقاة وحيدة على جانب الدرب، لا يعرف أحد لمن تعود.
قربة بلا صاحب
حملت المرأة القربة معها إلى البيت، وحرصًا منها على الأمانة، أخذت تسأل أهل القرية بيتًا بيتًا: "من ضاع منه قربة ماء؟" لكن الإجابة جاءتها في كل مرة واحدة: لا أحد يعرف صاحبها. مرت الأيام ولم يظهر من يطالب بها، فقررت أن تُدخلها ضمن أدواتها المنزلية، لتصبح رفيقة يومياتها في رعي الأغنام.
كانت تملأ القربة بالماء العذب كل صباح، وتضعها على ظهر الحمار، وتتجه بها وبأغنامها نحو أطراف البرية البعيدة. لكن شيئًا غريبًا كان يحدث في كل مرة: ما إن تبتعد عن القرية وتتوغل في مجاهل الأرض حتى تبدأ القربة بتسريب مائها، حتى تجدها فارغة عند حاجتها إليها.
قرار التخلي عن القربة الغامضة
سئمت المرأة من هذا الأمر المتكرر، فقررت الاستغناء عن القربة الجديدة والعودة إلى قربتها القديمة التي صنعتها بيديها، والتي لم تخذلها يومًا. أما القربة الغريبة، فعلّقتها داخل البيت، تاركة إياها هناك دون أن تعلم أن وراء صمتها سرًّا لا يخطر على بال أحد.
كان في بيت المرأة قطيع صغير من الحملان الرضيعة، التي لم تكن بعد قادرة على السير الطويل في البراري، فكانت تُترك في البيت كل يوم حين تخرج صاحبة البيت بأغنامها الكبيرة إلى المرعى.
الافتراس الخفي في غياب أهل البيت
في كل مرة تبتعد فيها صاحبة البيت عن القرية، كانت القربة المعلقة تتحول إلى كائن غريب: قزم قصير جدًّا، لا يتجاوز طوله شبرًا واحدًا، لكن لحيته الطويلة كانت تسحب خلفه على الأرض. كان هذا الكائن - الذي عُرف لاحقًا باسم "زنزباع" - ينزل من الحبل المعلق فيه، ويتجه مباشرة نحو الحملان الصغيرة، فيفترس واحدًا منها، ثم يعود بهدوء إلى مكانه معلّقًا على هيئة قربة، وكأن شيئًا لم يكن.
وفي آخر النهار، حين تعود صاحبة البيت بأغنامها، كانت تُفاجأ بنقصان أحد الحملان. تبحث، تعدّ الأغنام مرارًا، لكنها لا تجد أثرًا سوى خصلات شعر طويلة مسحوبة على الأرض، وكأن شيئًا سُحب من المكان. كانت تظن أن اللصوص أو الوحوش المفترسة وراء الأمر.
الشك يدبّ بين الزوجين وأهل القرية
أخبرت المرأة زوجها، الذي كان يقضي نهاره في مزرعته البعيدة ويعود مساءً مثلها، فقال لها: "لعلك أخذتِ الحمل معك إلى البرية وافترسته الثعالب هناك." وبينما كانا يتحدثان واقفين قرب القربة المعلقة، أخذ الزوج يثني عليها ثناءً عجيبًا: "ما أعظم هذه القربة! ماؤها بارد كأنه من عين جبلية، لم أشرب مثله منذ سنوات، وشكرًا لك على إحضارها."
مرت الأيام، وكل من الزوجين منشغل بعمله، والحملان الصغيرة تتناقص واحدًا تلو الآخر دون تفسير. ولم يقف الأمر عند هذا البيت وحده، بل امتد الشك إلى الجيران، حين بدأت أغنام الجار الصغيرة تختفي هي الأخرى، ووُجدت آثار شعر مسحوب قرب بيت الزوجين بالذات. عمّت الفوضى القرية، وأصبح كل جار يتّهم جاره بأنه سبب اختفاء الحملان، دون أن يدرك أحد أن السبب الحقيقي معلّق بصمت داخل أحد البيوت.
ليلة الصوت الغريب
مع دخول فصل الشتاء، جرت عادة القرية أن تُسفَّط قرب الماء (تُطوى وتُحفظ) وتُعلَّق على الجدران استعدادًا للصيف القادم. وحين جاء دور "زنزباع"، طوته صاحبة البيت وعلّقته كعادتها، لكنه هذه المرة اختنق ولم يحتمل الطي، فبدأ يُصدر أصواتًا غريبة في جوف الليل.
سمع الزوجان الصوت، فقال الزوج مطمئنًا زوجته: "هذا صوت الغنم، لا عليك، نامي ولا تخافي." لكنها لم تستطع النوم، وتسللت في آخر الليل تتبع مصدر الصوت، فوجدته يأتي من المخزن. أيقظت زوجها، واتجها معًا إلى هناك، فوجدا "زنزباع" معلقًا على هيئته الحقيقية: قزمًا بلحية طويلة تسحب على الأرض. اقشعرت أبدانهما من الرعب، وهربا من البيت فورًا متجهين إلى شيخ القرية.
اتهام بالجنون وتدخّل الحكيم
حين رويا للشيخ ما رأياه، ظن أنهما فقدا عقليهما، وقال: "هل أنتما مجانين؟ قربة تتحول إلى قزم طوله شبر ولحيته ذراع؟" وأمر حراسه بحبسهما في غرفة ببيته، وأبلغ أهل القرية أن الزوجين أصيبا بمس من الجنون، وطلب منهم رعاية أغنامهما ومزرعتهما ريثما يُعالَجان.
لكن الشيخ، حرصًا منه، استدعى حكيم القرية ليستشيره في الأمر. استمع الحكيم للقصة بتمعن، ثم قال: "مهلًا يا شيخ، مثل هذه الحكايات حقيقية، دعني أقابلهما." وبعد أن سمع روايتهما بنفسه، قال: "سأطلق سراحكما، وسنذهب معًا إلى بيتكم ليلًا لأرى وأسمع بنفسي." فاعتذر الزوجان خوفًا من المنظر المرعب، فقال الحكيم: "إذن ابقيا هنا، وسأذهب أنا وحدي."
مواجهة زنزباع وكشف الحقيقة
حمل الحكيم شعلة نار وإناء من الزيت، وتوجه إلى المخزن حيث كان "زنزباع" معلقًا. سأله الحكيم: "ما الذي أتى بك إلى هنا يا زنزباع؟" فأجابه الكائن الغريب: "أنا أجوع حين لا يكون في مغارتنا زيت، والزيت مقطوع عن هذه القرية منذ سنوات. لماذا لا تزرعون الزيتون؟"
فهم الحكيم عندها سرّ زنزباع الحقيقي: لم يكن يفترس الحملان إلا لأنه كان جائعًا، محرومًا من قوته الأساسي - الزيت - بسبب إهمال القرية لزراعة الزيتون. طلب منه أن يفتح فمه، وصبّ فيه الزيت مباشرة، ثم فكّ رباطه وأعطاه فرصة. بدأ الحكيم يَعُدّ من واحد إلى عشرة، وما إن وصل إلى الرقم ثلاثة حتى اختفى زنزباع كأن لم يكن.
العبرة من الحكاية
منذ تلك الليلة، أمر الحكيم أهل القرية بزراعة الزيتون في أراضيهم، ليعود الزيت إلى بيوتهم من جديد. وهكذا انتهت حكاية "زنزباع"، القربة التي حملت سرًّا غريبًا، لتُذكّر الأجيال بأن وراء كل ظاهرة غامضة سببًا حقيقيًا، وأن الحكمة والصبر كفيلان بكشف
Comments
Post a Comment