ضحكة عنز الشهيب .
ضحكة عنز الشهيب
كان أبو راشد رجلاً لا يؤمن إلا بما تلمسه يده. لا يهمه كلام العجائز عن أرواح تسكن الجبال، ولا حكايات النساء عن أصوات الليل. كل ما يهمه أن أرضه تُزرع، وماشيته تُطعم عياله، وأن الشمس تشرق كل يوم على نفس الروتين الآمن.
يوم السوق الأسبوعي، رأى رجلاً غريباً واقفاً في طرف السوق، بعيداً عن بقية الباعة. أمامه عنزة بيضاء وحيدة، ناصعة كأنها غُسلت بالثلج. لم ير أبو راشد عنزة بهذا البياض من قبل.
سأله عن السعر، فكان زهيداً جداً لدرجة أنه شك في سلامة الحيوان.
“ما فيها عيب؟” سأل أبو راشد.
ابتسم الرجل الغريب ابتسامة لم يفهم أبو راشد معناها حينها. “لا عيب فيها… بس لازم تحلبها بنفسك، وما تخليها تنام بره الحوش أبداً.”
ضحك أبو راشد من الشرط الغريب، ودفع الثمن، وعاد بالعنزة إلى القرية وهو فخور بصفقته.
في الأسبوع الأول، كانت العنزة تدر حليباً أكثر من عشر عنزات مجتمعة. أصبح أبو راشد حديث القرية، والجميع يسأله من أين أتى بهذه البركة.
لكن أم راشد لم تفرح كما فرح زوجها.
في الليلة الثالثة، استيقظت على صوت غريب يتردد من الحوش. لم يكن ثغاءً، بل كان أقرب لصوت… ضحكة مكتومة. خرجت بهدوء، فرأت العنزة واقفة في وسط الحوش، ساكنة تماماً، وعيناها مثبتتان على نافذة غرفة الأطفال.
في الصباح أخبرت زوجها.
“يمكن كنتِ نايمة وحالمة،” قال وهو يربت على كتفها. “العنزة مصدر رزقنا يا أم راشد، ما تخليني أشك فيها بسبب حلم.”
لكن الحلم تكرر. وفي كل مرة تحلب فيها أم راشد العنزة، كانت تشعر بعينيها الصفراوين تتابعانها، وكأن العنزة تعرف بالضبط ماذا تفكر.
“إنها تضحك عليّ،” قالت لزوجها ذات مساء، وصوتها يرتجف. “كل ما أقترب منها بالحلاب، أسمع صوتاً خفيفاً… كأنها تسخر مني.”
رفض أبو راشد تصديقها. “العنز ما يضحك يا امرأة. هذا كلام خرافات.”
مرت الأسابيع. أصبح راشد الصغير، أكبر الأبناء، يقضي وقتاً طويلاً بجانب العنزة، يلعب معها، يحدثها كأنها صديقته. لاحظت أم راشد أن ابنها أصبح شاحباً، عيناه غائرتان، ونومه مضطرب.
سألته يوماً: “وش تسوي مع العنزة كل هالوقت؟”
نظر إليها راشد بعينين فارغتين، وقال بهدوء مخيف: “هي تحكي لي حكايات يا أمي. حكايات حلوة عن أماكن ما شفتها أبداً.”
في تلك الليلة، لم تنم أم راشد. جلست عند نافذة غرفتها تراقب الحوش. ومع اقتراب منتصف الليل، رأت شيئاً جعل قلبها يتجمد.
العنزة كانت واقفة على قدميها الخلفيتين.
جسدها بدأ يتمدد، يتلوى بشكل غير طبيعي، وظلها على الجدار لم يكن ظل عنزة، بل ظل شيء أطول، أنحف، له أصابع بدل الحوافر.
صرخت أم راشد، فاستيقظ الجميع. لكن حين أشعلوا الفانوس وخرجوا، لم يكن هناك سوى العنزة، هادئة، تجتر العشب، وكأن شيئاً لم يحدث.
“أنتِ مجنونة!” صرخ أبو راشد أمام الجيران الذين تجمعوا على الصراخ. “بتخربين سمعتنا بخرافاتك!”
من الغيظ والإحراج، أمر زوجته أن تصمت، وألا تقترب من الحوش ليلاً مرة أخرى.
في تلك الليلة تحديداً، بعد أن نام الجميع، سمعت أم راشد الضحكة مرة أخرى.
لكنها هذه المرة لم تكن قادمة من الحوش.
كانت قادمة من غرفة الأطفال.
هرعت إلى الغرفة، ودفعت الباب بيد مرتجفة…
لتجد الغرفة فارغة تماماً.
لا راشد، ولا أخته الصغيرة، ولا الرضيع.
فقط نافذة مفتوحة، وريح باردة تتسلل منها، وعلى عتبة النافذة… أثر حافر صغير، مطبوع بوضوح على التراب، وكأن شيئاً وقف هناك للتو، يراقب، ثم اختفى في عتمة الليل يحمل معه كل من كانت تحبهم.
لم يجدوا الأطفال أبداً. ولم تُرَ العنزة بعد تلك الليلة.
لكن أهل القرية، حين يمرون بجانب حوش أبي راشد المهجور في الليالي الهادئة، يقسمون أنهم ما زالوا يسمعونها.
ضحكة خفيفة… تتردد بين الجدران المتصدعة.
Comments
Post a Comment